المنجي بوسنينة
344
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
أقوالهم ثمّ استخراج الأحكام من الكتاب والسنّة والبناء عليهما ، ويبدو أنّه كان في مسائل الكلام أقرب إلى المرجئة . وقد تفقّه به جماعة من الكبار ، منهم : زفر بن الهذيل ، وأبو يوسف القاضي ، وابنه حماد بن أبي حنيفة ، ونوح بن أبي مريم المعروف بنوح الجامع ، وأبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي ، والحسن بن زياد اللؤلؤي ، ومحمد ابن الحسن الشيباني ، وأسد بن عمرو القاضي ، وعشرات غيرهم ، وقد روى عنه من المحدّثين والفقهاء عدّة لا يحصون ، فمن أقرانه ، مغيرة بن مقسم ، وزكريا بن أبي زائدة ، ومسعر بن كدام ، وسفيان الثوري ، ومالك بن مغول ، ويونس بن أبي إسحاق . أثنى جلّ العلماء عليه . وصفه معاصره عبد الله بن المبارك بأنّه « مخ العلم » ، فيما ذكر الشافعي أنّ « كل الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة » . وتفيد هاتان الشهادتان تخصّص أبي حنيفة في الفقه وتضلّعه فيه ، بل إنّ مالك ابن أنس قال فيه : « لو جاء إلى أساطينكم هذه ، يعني السواري ، فقايسكم على أنّها خشب لظننتم أنها خشب » . وهو دليل على قوّته في الحجاج والمناظرة . أمّا ابن خلكان فقد وصفه بأنّه « كان عالما عاملا زاهدا عابدا ورعا تقيّا كثير الخشوع دائم التضرّع إلى الله » . ومن مظاهر ورعه أنّه كان يرفض المناصب التي يعرضها عليه السلطان لا سيّما القضاء ، كما كان يرفض بذكاء جوائز السلطان ، وهذا حرصا منه على حفظ كرامته ، وسعيا منه إلى التمسّك باستقلاليّته تجاه السلطان . فقد كان ينفق من دار كبيرة له لعمل الخز ، وعنده صناع وأجراء ، وهذا يعني أنّه كان يعيش في يسار . ومن الأدلّة الأخرى على ذلك أنّه كان كثير العناية بثيابه ، يختارها جيّدة ، وأنّه كان حسن الهيئة كثير التعطّر . وقد كان يحثّ من يعرفه على العناية بمظهره . عرض عليه يزيد بن عمر بن هبيرة عامل مروان بن محمد على العراق ، القضاء ، فرفض ، فامتحنه ، وفرّ إلى مكّة ، أقام بها مدّة إلى أن قامت الدولة العباسيّة . ويبدو أنّ أبا حنيفة قد استقبل عهد العباسيين بارتياح ، من ذلك أنّه كان يتردّد على أبي جعفر المنصور . ربّما كان ذلك لأنّ العباسيين نادوا بالثأر لبني علي الذين تمّ اضطهادهم لثورة محمد النفس الزكية ويقال إنّ أبا حنيفة حرّض على الخروج معه ، فاختبره المنصور بعرض القضاء عليه ، فرفضه ، فسجنه ويقال إنّه مات بسجن المنصور . وهذا يعني أنّه لم يسجن نتيجة لرفضة القضاء ، بل نتيجة لموقفه السياسي وهو الرأي الذي رجّحه يوسف شاخت . وفكر أبي حنيفة يفصح عن قناعة بأنّ اكتساب المال يعصم العالم من الحاجة إلى ذوي المال والسلطان وبذا يضمن حرّيته ويحفظ تقواه ليتفرّغ للواجب الأكبر ألّا وهو تبصير العامّة بحقائق الدين والاجتماع . كما نهى أهل العلم عن مخالطة التجار والوجهاء ورجال الديوان « فإنّهم يسيئون الظنّ بك ويعتقدون ميلك إلى أخذ الرشوة منهم » ، فإذا اضطرّ العالم إلى لقائهم فعليه أن يصرّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيّا كانت الظروف « لأنّ الله معينك وناصرك وناصر الدين . فإذا فعلت ذلك ، هابوك ولم يتجاسر أحد على إظهار البدعة في الدين » .